موقع الشيخ بن باز


 

  لتحميل حلقة الرقية الشرعية للشيخ أبو البراء اضغط هنا


ruqya

Icon36 صفحة المرئيات الخاصة بموقع الرقية الشرعية

الموقع الرسمي للشيخ خالد الحبشي | العلاج بالرقية الشرعية من الكتاب والسنة

الأخوة و الأخوات الكرام أعضاء منتدنا الغالي نرحب بكم أجمل ترحيب و أنتم محل إهتمام و تقدير و محبة ..نعتذر عن أي تأخير في الرد على أسئلتكم و إستفساراتكم الكريمة و دائماً يكون حسب الأقدمية من تاريخ الكتابة و أي تأخر في الرد هو لأسباب خارجة عن إرادتنا نظراً للظروف و الإلتزامات المختلفة

 
العودة   منتدى الرقية الشرعية > ساحة الصحة البدنية والنفسية والعلاج بالأعشاب وما يتعلق بها من أسئلة > ساحة الصحة البدنية والنفسية

الملاحظات

صفحة الرقية الشرعية على الفيس بوك

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع
New Page 2
 
 

قديم 18-02-2008, 05:58 AM   #1
معلومات العضو
منذر ادريس
اشراقة ادارة متجددة

Thumbs up حكم الإسلام في التداوي وتعلم الطب

الحمد لله الشافي الكافي، الممرض المصح المعافي، وصلى الله على رسولنا وعلى والده إبراهيم، الذي قال الله على لسانه: "وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ".1

لم يؤت المرء نعمة أعظم وأفضل بعد الإيمان بالله ورسوله من نعمة العافية، فعلينا أن نشكرها ولا نكفرها، وأن نحذر من أن نغبن فيها، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ"2، مصداق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح معافى في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"3.

ولهذا عندما سأل العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم إمرة اليمن أوغيرها، قال له: "يا عباس، سل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة".

اللهم ارزقنا العافية في الدين والدنيا والآخرة.

لقد جمعت بين هذين الأمرين لارتباطهما، ولأن حكم أحدهما لا ينفك عن حكم الآخر.

دفعني لكتابة هذا البحث ما رفعه أحد المخلصين الأخيار من أن تعلم الطب ليس من فروض الكفايات، ولا من العلوم المهمات، مما أثار بعض التساؤلات، وأحدث شيئاً من الجدل والنزاعات، وفي اعتقادي أن الذي دفعه إلى إظهار هذا القول ونشره، والإفتاء به، بجانب قناعته أن التداوي ليس واجباً، وأن تعلم الطب ليس واجباً كفائياً، ردة فعل للواقع المعاش، متمثلاً في الآتي:

1. تغافل الناس عن العلوم الشرعية بصفة عامة، وعما يجب عليهم وجوباً عينياً نحو ربهم، ورسولهم، وإسلامهم، إذ العلم منه ما هو فرض عين على المكلف، ومنه ما هو فرض كفاية.

2. المخالفات الشرعية الكثيرة المصاحبة للتعليم الجامعي عموماً، التي أخطرها على الإطلاق الاختلاط غير المبرر، تقليداً للكفار، ولأن هذه الجامعات أنشئت وأسست على غرار الجامعات عند الكفار.

3. عزوف الكثيرين عن الدين وتعلقهم بأمر الدنيا، وحرصهم على الوظائف التي تعينهم على ذلك.

4. لا يجوز للمسلم أن يشتغل بأي علم من العلوم الكفائية أوغيرها من العلوم المباحة إلا بعد أن يتعلم ما أوجبه الله عليه.

5. استجابة لطلبه جزاه الله خيراً أن يناقش هذا الموضوع نقاشاً علمياً، مستنداً على الأدلة الشرعية، ومقاصد الشريعة المرعية، عملاً بقوله تعالى: "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ"5، لفيف من أهل العلم وطلابه، بعيداً عن المراء والجدل وإعجاب كل ذي رأي برأيه.

6. الكم الهائل من الأطباء غير المستوعبين، مع ندرة العلماء الشرعيين.

والله أسأل أن يرينا وجميع إخواننا المسلمين الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وأن يعافينا من دفع الحق وغمط الناس.

أما بعد..

فقد حان أوان الشروع في المطلوب، فنسأل الله العون والسداد والتوفيق والرشاد، فنقول:

أولاً: التداوي أوالعلاج

تعريفه

نعني بذلك جميع وسائل وصور التداوي المشروعة المتاحة، نحو:

1. الحِمْيَة، فالوقاية خير من العلاج، لهذا قال طبيب العرب الحارث بن كَلدة6: "المعدة بيت الداء، والحِمْيَة رأس الدواء"، الذي يرويه البعض حديثاً وهو ليس بحديث.

2. الدعاء والرقى الشرعية، وهي أنفع أنواع العلاجات لمن تحقق يقينه بها، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (وقد جربنا نحن وغيرنا من هذا أموراً كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية، بل تصير الأدوية الحسية عندها بمنزلة الأدوية الطرقية).7

3. الطب النبوي، الوصفات الطبية والطرق العلاجية التي أثرت عنه صلى الله عليه وسلم، قال القحطاني في نونيته:

وتداوى بالعسل المصفى واحتجم فهما لدائــك كله بـرءان

4. العقاقير الطبية الحديثة والعمليات الجراحية.

5. الطب البلدي من الأعشاب ونحوها، مع الحرص على معرفة مقاديرها، قال القحطاني:

دبر دواءك قبل شـربك وليـكن متآلف الأجـزاء والأوزان

6. الطب البديل بصوره المختلفة.

مع الحذر من تمكين المتطببين من نفسك أوعرض نفسك عليهم.

حكم التداوي والعلاج

بعد أن أجمع أهل العلم على إباحة العلاج والتداوي وعلى مشروعيته، اختلفوا في أيها أفضل: فعله أم تركه، أم هو واجب؟ على ثلاثة مذاهب:

1. يستحب فعله.

2. يستحب تركه.

3. يجب فعله، ولكل فريق حججه وأدلته.

أدلة المستحبين للعلاج والتداوي

استدل المستحبون للعلاج وتعاطي الدواء سواء كان رقية، أوعقاقير، أوجراحة، أونحوها، بالآتي:

ما أخرجه أحمد في مسنده8: "أن عروة كان يقول لعائشة: يا أُمَّـتاه لا أعجب من فقهك، أقول زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشِّعر وأيام الناس، أقول ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس ـ أومن أعلم الناس ـ ولكن أعجب من علمك بالطب، كيف هو؟ ومن أين هو؟ قال9: فضربت على منكبيه وقالت: أي عُريّة! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عن آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فكانت تنعت له الأنعات، وكنت أعالجها، فمن ثم علمتُ".

وروى الخلال في كتاب الطب بإسناده عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثرت أسقامه، فكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم فيصفون له فتعالجه".10

وعن ابن عمر أنه اكتوى من اللقوة11، واسترقى من الحية.12

وبأن الحِجَامة سنة، فقد احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحث عليها فقال: "إن أمثل ما تداويتم به الحجامة".13

وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة: "ما أنزل الله داءاً إلا أنزل له شفاءاً".14

وقوله صلى الله عليه وسلم كما روى ابن عباس رضي الله عنهما: "الشفاء في ثلاث: شَرْبة عسل، وشَرْطة مِحْجَم، وكيَّـة نار، وأنهى عن الكي".15

أدلة المستحبين لترك العلاج

استدل المستحبون لترك العلاج بالآتي:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عُرضت عليَّ الأمم، فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد، حتى رُفع لي سواد عظيم، قلت: ما هذا؟ أمتي هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه؛ قيل: انظر إلى الأفق، فإذا سوادٌ قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك، ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفاً بغير حساب".

ثم دخل ولم يبيِّن لهم، فأفاض القوم، وقالوا: نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله فنحن هم، أوأولادنا الذين وُلدوا في الإسلام، فإنا وُلدنا في الجاهلية.

فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج فقال: "هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربِّهم يتوكلون".

فقال عُكَّاشة بن محصن: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: "نعم"، فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ قال: "سبقك عكَّاشة".16

وقوله صلى الله عليه وسلم: "من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل"17.

وبما رواه سعيد بن منصور بسنده عن العَّقـار بن المغيرة بن شعبة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لم يتوكل من أرقى واسترقى"18.

وبتخييره للجارية التي كانت تُصرع وتتكشف، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها، فخيَّرها بين أن يدعـوَ لها فتشفى وبين أن تصبر ولها الجنة، فاختارت الثانية، وسألته أن يدعو الله لها ألا تتكشَّف فدعا"19.

أدلة الموجبين للتداوي

واستدل الموجبون للتداوي بالآتي:

عن أسامة بن شريك قال: كنتُ عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاء الأعراب فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاءاً، غير داءِ واحد؛ قيل: ما هو؟ قال: الهَرَم".

وفي رواية: "إن الله لم ينزل داءاً إلا أنزل له شفاءاً، عَلِمَه من عَلِمَه وجَهِله من جَهِله."20

وعن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواءاً، فتداووا ولا تتداووا بحرام."21

مذاهب أهل العلم المقتدى بهم في ذلك

الأحناف قالوا: إن التداوي مؤكد حتى أنه يداني الوجوب.

المالكية قالوا: يستوي فعله وتركه.

الشافعية قالوا: فعل التداوي أفضل من تركه، وقال بعض الشافعية إنه واجب.

الحنابلة قالوا: يُباح التداوي وتركه أفضل.

أقوال أهل العلم في ذلك

قال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم "لكل داء دواء..." الحديث في صحيح مسلم: (وفي هذا الحديث إشـارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب أصحابنا، وجمهور السلف، وعامة الخلف، قال القاضي22: في هذه الأحاديث جمل من علوم الدين والدنيا وصحة علم الطب، وجواز التطبّب في الجملة، واستحبابه بالأمور المذكورة في هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم، وفيها رد على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية وقال كل شيء بقضاء وقدر، فلا حاجة إلى التداوي، وحجة العلماء هذه الأحاديث، ويعتقدون أن الله تعالى هو الفاعل، وأن التداوي هو أيضا من قدر الله، وهذا كالأمر بالدعاء، وكالأمر بقتال الكفار، وبالتحصن، ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة، مع أن الأجل لا يتغير، والمقادير لا تتأخر ولا تتقدم عن أوقاتها، ولابد من وقوع المقدَّرات، والله أعلم)23.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما التداوي فليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد، بل قد تنازع العلماء أيما أفضل التداوي أم الصبر؟ للحديث الصحيح، حديث ابن عباس عن الجارية التي كانت تُصرع وسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها فقال: "إن أحببتِ أن تصبري ولكِ الجنة، وإن أحببتِ دعوتُ الله أن يشفيكِ"24، فقالت: بل أصبرُ، ولكني أتكشفُ فادعُ الله لي ألا أتكشف، فدعا لها ألا تتكشف؛ ولأن خلقاً من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون، بل فيهم من اختار المرض، كأُبَيّ بن كعب، وأبي ذرّ، ومع هذا فلم ينكر عليهم ترك التداوي).25

وقال ابن مفلح26رحمه الله: (يباح التداوي، وتركه أفضل، نصَّ عليه ـ أي أحمد ـ قال في رواية المروذي: العلاج رخصة وتركه درجة أعلى منه؛ وسأله إسحـاق بن إبراهيم بن هاني في الرجل يمرض، يترك الأدوية أويشربها؟ قال: إذا توكل فتركها أحب إليّ.

وذكر أبوطالب في كتاب التوكل عن أحمد رضي الله عنه أنه قال: أحبُّ لمن عقد التوكل وسلك هذا الطريق تركُ التداوي من شرب الدواء وغيره، وقد كانت تكون به عللٌ فلا يخبر الطبيبَ بها إذا سأله؛ وقدَّمه ابن تميم وابن حمدان، وهو قول ابن عبد البر وحكاه عمن حكاه لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون" متفق عليه؛ وذكر بعضهم أن فيه: "هم الذين لا يرقون ولا يسترقون"، وذكره بعضهم من رواية مسلم وهو الصواب.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اكتوى أو استرقى فقد بَرِئ من التوكل"27، رواه أحمد وغيره، وإسناده ثقات وصحَّحه الترمذي.

وروى سعيد28، حدثنا سفيان عن أبي نجيح عن مجاهد عن العقار بن المغيرة بن شعبة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لم يتوكل من أرقى أو استرقى"29، إسناده جيد... وقيل بل فعله أفضل وبه قال بعض الشافعية... وقطع به ابن الجوزي في المنهاج، واختاره الوزير ابن هبيرة في الإفصاح30؛ قال: ومذهب أبي حنيفة أنه مؤكدٌ حتى يداني به الوجوب؛ قال: ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه، فإنه قال: لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه).31

من آثر الصبر عند المرض على العلاج

هناك عدد من السلف، من الصحابة فمن دونهم، آثروا الصبر عند المرض على العلاج، منهم على سبيل المثال:

الخليفة الراشد أبوبكر الصديق رضي الله عنه، قال الحافظ ابن الجوزي في ترجمته عند وفاته: (وعن أبي السفر قال: مرض أبو بكر فعاده الناس؛ فقالوا : ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: قد رآني؛ قالوا: وأي شيءٍ قال لك؟ قال: إني فَعَّال لما أريد).32

الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد ندم على رجوعه من سَرْغٍ عندما نزل به الطاعون بالشام 18ﻫ؛ قال النووي: (قال القاضي عياض: وروي هذا عن عمر رضي الله عنه وأنه ندم على رجوعه من سرغ).33

أبوعبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه، لقد حاوله عمر الخروج من الطاعون فناظره وقال: أتفرُّ من قدرِ الله؟ فقال عمر: ليت غيرك قالها، نفر من قدر الله إلى قدر الله، فخرج عمر وتركه.

قال ابن الجوزي: لما اشتعل الوجع قام أبوعبيدة بن الجراح في الناس خطيباً، فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم له منه حظه.

قال: وطعن34فمات رحمه الله، واستخلف على الناس معاذ بن جبل)35.

معاذ بن جبل رضي الله عنه، فما قاله أبو عبيدة قاله معاذ بن جبل رضي الله عنه عندما استخلف.

قال ابن الجوزي: (واستخلف على الناس معاذ بن جبل فقام خطيباً بعده فقال: أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم ، وإن معاذاً يسأل الله أن يقسم لآل معاذ منه حظه.

قال: فطُعَن ابنه عبد الرحمن، قال: ثم قام فدعا ربه لنفسه فطُعِن في راحته، فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقبِّل ظهر كفه ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئاً من الدنيا، فلما مات استخلف على الناس عمرو ابن العاص).36

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، دخل عليه عثمان في مرضه فقال له: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي؛ قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي؛ قال: ألا أدعو لك الطبيب؟ قال: مرضني.37

أبوالدرداء رضي الله عنه، حين مرض قيل له: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: رآني الطبيب؛ قيـل له: ما قال لك؟ قال: إني فعال لما أريد.38

أبو ذر الغفاري رضي الله عنه.

أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه.

الجارية39التي كانت تصرع عندما خيَّرها الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن تصبر ولها الجنة وبين أن يدعو لها بالشفاء، فاختارت الصبر.

الحسن البصري، كان يكره شرب الأدوية كلها إلا اللبن والعسل.

سعيد بن جبير رحمه الله.

مالك بن أنس الإمام رحمه الله كان به سلس البول لمدة عشرين سنة لم يخبر به أحداً إلا في أخريات أيامه ، دعك من أن يعالجه .

الإمام أحمد رحمه الله، فقد روى ابن مفلح عنه أنه كانت تكون به علل فلا يخبر الطبيب بها إذا سأله، وروي له في مرض موته أن طاوساً كان يكره أنين المريض ويعده من باب الشكوى، فما أَنَّ حتى مات.

إبراهيم الحربي رحمه الله، وهو من تلاميذ الإمام أحمد كانت به شقيقة أربعين سنة لم يعلم بها أهله، دعك عن غيرهم .

داود بن علي الظاهري.

من تعاطى الرقية والدواء

سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، فعله تشريعاً لأمته.

سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

ابن عمر رضي الله عنهم .

روى ابن عبد البر بسنده: (أن ابن عمر كان إذا دعا طبيباً يعالج أهله اشترط عليه ألا يداوي بشيء مما حرَّم الله، واكتوى ابن عمر وغيره من السلف، وعن ابن سيرين أن ابن عمر كان يسقي ولده الترياق، قال مالك: لا بأس بذلك).

عمران بن حصين رضي الله عنه، وقد كان مريضاً بالناسور ثلاثين عاماً وكانت الملائكة تزوره وتعوده، وعندما اكتوى انقطعت منه وعندما امتنع من الكي عاودته مرة ثانية.

ولهذا فقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كيفية صلاة المريض، فقال له: "صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب"، أخرجه البخاري.

عطاء بن أبي رباح رحمه الله.

التداوي لا ينافي التوكل

اعلم أخي الحبيب أن التداوي والعلاج لا ينافي التوكل، إذ التوكل اعتماد القلب على الله سواء أخذ المرء بالأسباب أم لا، فقد قال صلى الله عليه وسلم لمن استشاره في عدم عقل ناقته لتوكله: "اعقلها وتوكل"، الحديث.40

وقال صلى الله عليه وسلم: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتعود بطاناً"، الحديث.41

ولهذا فقد أمر الإمام أحمد جماعة من أهل اليمن عندما عزموا على الحج من غير تزود بالتزود، وتلا عليهم الآية: "وتزوَّدوا فإن خير الزاد التقوى"42، وعندما أصرُّوا على ذلك قال لهم: لا تخرجوا مع القافلة، فقالوا: مالنا بدٌّ من الخروج معهم؛ فقال لهم: إذاً على جُرُبِ القوم توكلتم.

قال الإمام النووي رحمه الله موفقاً بين قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يرقون ولا يسترقون"، وغيره من الأحاديث التي تنهى عن الرَّقى وبين قول عائشة رضي الله عنها: "كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل، قال: بسم الله يُبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شرِّ كل حاسدٍ إذا حسد وشرِّ كل ذي عين".43

قال: (قوله "إن جبريل رقى النبي صلى الله عليه وسلم"، وذكر الأحاديث بعده في الرقى، وفي الحديث الآخر في الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "لا يرقون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون"، فقد يُظن مخالفاً لهذه الأحاديث، ولا مخالف، بل المدح في ترك الرقى المراد بها الرقى التي هي من كلام الكفار، والرقى المجهولة التي بغير العربية، وما لا يعرف معناها، فهذه مذمومة لاحتمال أن معناها كفر، أوقريب منه، أومكروه؛ وأما الرقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة فلا نهي فيه بل هو سنة؛ ومنهم من قال في الجمع بين الحديثين: أن المدح في ترك الرقى للأفضلية وبيان التوكل، والذي فعل الرقى وأذن فيها لبيان الجواز مع أن تركها أفضل، وبهذا قال ابن عبد البر، و حكاه عمن حكاه؛ والمختار الأول، وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى).

وقال المازري44: (فيحتمل أن يكون النهي كان ثابتاً ثم نُسخ، أويكون النهي لأنهم كانوا يعتقدون منفعتها بطبيعة الكلام كما كانت تعتقد الجاهلية، فلما استقر الحق في أنفسهم وارتاضوا بالشرع أباحها لهم مع اعتقادهم أن الله هو النافع الضار، أويكون النهي في الرقى الكفرية).45

وقال الحافظ ابن عبد البر: (اختلف العلماء في هذا الباب فذهبت منهم طائفة إلى كراهية الرّقى والمعالجة، قالوا: الواجب على المؤمن أن يترك ذلك اعتصاماً بالله تعالى، وتوكلاً عليه، وثقةً به، وانقطاعاً إليه، وعلماً بأن الرقية لا تنفعه، وأن تركها لا يضره، إذ قد عَلِم الله أيام المرض و أيام الصحة، فلا تزيد هذه بالرقى والعلاجات، ولا تنقص تلك بترك السعي والاحتيالات، لكل صنف من ذلك زمن قد علمه الله، ووقت قدّره قبل أن يخلق الخلق، فلو حرص الخلق على تقليل أيام المرض وزمن الداء، أوعلى تكثير أيام الصحة، ما قدر على ذلك؛ قال الله عز وجل: "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا"، ثم قال: وذهب آخرون من العلماء إلى إباحة الاسترقاء والمعالجة والتداوي، وقالوا: إنه من سنة المسلمين التي يجب عليهم لزومها، لروايتهم لها عن نبيهم صلى الله عليه وسلم الفزع إلى الله عند الأمر يعرض لهم، وعند نزول البلاء بهم في التعوّذ بالله من كل شر، وإلى الاسترقاء، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء.

ثم قال بعد أن ذكر أدلة كل من الفريقين: والذي أقول به أنه قد كان من خيار هذه الأمة وسلفها وعلمائها قوم يصبرون على الأمراض حتى يكشفها الله، ومعهم الأطباء، فلم يعابوا بترك المعالجة، ولو كانت المعالجة سنة من السنن الواجبة، لكان الذم قد لحق من ترك الاسترقاء والتداوي، وهذا لا نعلم أحداً قاله، ولكان أهل البادية والمواضع النائية عن الأطباء قد دخل عليهم النقص في دينهم، لتركهم ذلك، وإنما التداوي والله أعلم أباحه على ما قدمنا لميل النفوس إليه وسكونها نحوه، "لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ"، لا أنه سنة، ولا أنه واجب، ولا إن العلم بذلك علم موثوق به لا يُخالف، بل هو خطر وتجربة موقوفة على القدر، والله نسأله العصمة والتوفيق وعلى إباحة التداوي والاسترقاء جمهور العلماء).46

وقال العلامة ابن القيم: (وفي هذه الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحرّ، والبرد بأضدادها، بل لا يتمّ حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث أن معطِّلها يعتقد أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزاً ينافي التوكل، الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطِّلاً للحكمة والشرع فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً.

وفيها ردٌّ على من أنكر التداوي، وقال: إن كان الشفاء قد قدِّر فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قد قدِّر فكذلك، وأيضاً فإن المرض حصل بقدر الله، وقدر الله لا يُدفع ولا يُردُّ؛ وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما أفاضل الصحابة فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا)47.

وقال الحافظ ابن عبد البر: (روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر وينبت الشَعَر"48، واكتوى ابن عمر وغيره من السلف49؛ فمن زعم انه لا معنى للرقى والاستعاذة، ومنع من التداوي، والمعالجة، ونحو ذلك مما يلتمس به العافية من الله، فقد خرج من عرف المسلمين، وخالف طريقهم، قالوا: ولو كان الأمر كما ذهب إليه من كره التداوي والرُّقى، ما قطع الناس أيديهم وأرجلهم وغير ذلك من أعضائهم للعلاج، وما افتصدوا، ولا احتجموا، وهذا عروة ابن الزبير قطع ساقه.

قالوا: ويحتمل أن يكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنهم لا يسترقون ولا يكتوون"، أن يكون قصد إلى نوع من الكيِّ مكروه منهي عنه، أويكون قصد إلى الرُّقى بما ليس في كتاب الله ولا من ذكره، وقد جاء عن أبي بكر الصديق كراهية الرقية بغير كتاب الله وعلى ذلك العلماء).50

الخلاصة

الخلاصة أن التداوي جائز ومباح وقد فعله سيد المتوكلين محمد صلى الله عليه وسلم فلا حرج البتة على من تعاطاه، وكذلك لا حرج على من آثر الصَّبر على المرض وأخذ بالعزيمة إن كان من أهل اليقين والتوكل، وإلا فالأفضل في حقه مباشرة العلاج مع كامل اليقين أن الله هو الشافي، وعليك أخي المسلم أن تسأل الله العافية، ولا تكن مثل ذلك الشيخ الصوفي الذي قال: اللهم ابتليني بما شئت؛ فحُصِر بوله، فكان يطوف على الصبيان في الكتاتيب ويقول لهم: ادعوا لعمِّكم الكذاب.

يتبع

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 18-02-2008, 05:59 AM   #2
معلومات العضو
منذر ادريس
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

ثانياً: حكم تعلم الطب والاشتغال به

كذلك بعد أن أجمع العلماء على مشروعية تعلم الطب والاشتغال به، اختلفوا في حكمه على قولين، هما:

1. تعلم الطب والاشتغال بذلك والتخصص في أقسامه المختلفة من فروض الكفاية.

2. تعلم الطب والاشتغال به مستحب.

من قال بعدم فرضيته على الكفاية، وأدلتهم، وأقوالهم

ممن ذهب إلى أن علم الطب ليس من فروض الكفاية العلامة ابن القيم رحمه الله، حيث قال: (أما فرض الكفاية فلا أعلم فيه ضابطاً صحيحاً، فإن كل واحد يدخل في ذلك ما يظنه فرضاً، فيدخل بعض الناس في ذلك علم الطب، وعلم الحساب، وعلم الهندسة والمساحة، وبعضهم يزيد على ذلك علم أصول الصناعة كالفلاحة، والحياكة، والحدادة، والخياطة، ونحوها.. وكل ذلك هوس وخبط، فلا فرض إلا ما فرض الله ورسوله).

ثم علل لذلك بعلة عليلة، حيث سوى بين فرض الكفاية وفرض العين، قائلاً: (فيا سبحان الله هل فرض الله على كل مسلم أن يكون طبيباً، حجاماً، حاسباً، مهندساً، أوحائكاً، أوفلاحاً، أونجاراً، أوخياطاً؟ فإن فرض الكفاية كفرض العين في تعلقه بجميع المكلفين، وإنما يخالفه في سقوطه بفعل البعض.

إلى أن قال: فإن قال: المجموع فرض على المجموع، لم يكن قولك: إن كل واحد منها فرض كفاية صحيحاً، لأن فرض الكفاية يجب على العموم).51

فرض الكفاية فرض على الأمة في مجموعها، وليس على كل فرد فيها، فإذا قام به البعض سقط الفرض عن الباقين، وإذا احتاجت الأمة إليه ولم يقم به أحد من أفرادها أثمت جميعاً، لتباطئها وتقصيرها في أمر به قوام اثنين من الضرورات الخمس التي شرع الله جميع الشرائع للمحافظة عليها، وهما: النفس والعقل.

ولهذا فإن فرض الكفاية له تعلق بالجميع من ناحية، وبالفرد من ناحية أخرى، وبين الأمرين خصوص وعموم.

فعلى الفرد فهو واجب على من هو مهيأ له قادر عليه، وعلى العامة أن يحثوه على ذلك ويحضوه عليه، فإذا قصر المهيأ القادر على الواجب المعين عليه أثم، وإذا قصرت العامة في حمله على ذلك أثمت.

قال الإمام الشاطبي رحمه الله: (طلب الكفاية يقول العلماء بالأصول إنه متوجه على الجميع، لكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وما قالوه صحيح من جهة كلي الطلب، وأما من جهة جزئيه ففيه تفصيل).52

قال الشيخ محمد عبد الله دراز موجهاً ومبيناً لمراد الشاطبي رحمهما الله: (أي باعتبار مجموعة فروض الكفايات، وإلا فهذا إنما يتوجه على بعض المكلفين المتأهلين للقيام به، ويتفرع على هذا إنه إذا لم يقم به أحد فإن الإثم لا يعم المكلفين بل يخص المتأهلين فقط، هذا مراده.. وهذا غير الخلاف بين الأصوليين في أنه متوجه على الكلي الإفرادي كمـا هو التحقيق، أوالمجموعي كما هو مقابله).53

استدل القائلون بعدم فرضية تعلم الطب البحت التجريبي بأن التداوي ليس واجباً عند الجمهور، وأن عدداً من الصحابة والسلف آثر الصبر على تعاطي الدواء، وأقروا على ذلك، كإقراره صلى الله عليه وسلم للجارية التي كانت تصرع، وهذه كلها حوادث عين لا ينبني عليها حكم عام يشمل جميع أفراد الأمة، بدليل عدم دخول عمر ومن معه في الطاعون عندما نزل بالشام، على الرغم من إصرار أبي عبيدة ومعاذ وغيرهما على البقاء فيه.

القائلون بفرضية تعلم الطب التجريبي البحت بأقسامه المختلفة، بما في ذلك الجراحة وصناعة الدواء على الكفاية، وأدلتهم، وأقوالهم

ذهب العامة من أهل العلم المقتدى بهم قديماً وحديثاً إلى أن تعلم الطب التجريبي البحت بأقسامه المختلفة وتخصصاته المتنوعة، وما يتعلق به من التشخيص وصناعة الأدوية - لأن ما سوى ذلك من أنواع الطب كالطب النبوي والأدعية والرقى لا نزاع فيه – من فروض الكفاية.

منهم على سبيل المثال لا الحصر من يأتي:

الإمام الشافعي رحمه الله.

الإمام ابن الجوزي رحمه الله.

الإمام النووي رحمه الله.

إمام الحرمين ابن الجويني رحمه الله.

الإمام أبو إسحاق الإسفرائيني رحمه الله.

الإمام الغزالي رحمه الله.

الإمام عبد الرحمن أبو الفضل الشهير بطبيب السنة.

الإمام المازري رحمه الله.

الإمام محمد القرشي المعروف بابن الإخوة (648-729هـ) رحمه الله.

الإمام موفق الدين البغدادي المعروف بابن اللبَّاد المتوفى 629هـ رحمه الله.

الإمام السيوطي رحمه الله.

الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله.

السيد صديق بن حسن خان المتوفى 1307هـ رحمه الله.

الإمام الرافعي الشافعي رحمه الله.

ابن قدامة الحنبلي رحمه الله.

ابن الحاج المالكي رحمه الله.

الشيخ أبوبكر الجزائري

تعريف فرض الكفاية

في بداية الأمر لابد من تعريف فرض الكفاية.

قال السيوطي: (قال الرافعي وغيره: فروض الكفاية أمور كلية، تتعلق بها مصالح دينية أودنيوية، لا ينتظم الأمر إلا بحصولها، فطلب الشارع تحصيلها، لا تكليف واحد منها بعينه، بخلاف العين، وإذا قام به من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين، أوأزيد على من يسقط به، فالكل فرض، أوتعطل، ثم كل من قدر عليه إن علم به، وكذا إن لم يعلم، إذا كان قريباً منه، يليق به البحث والمراقبة، ويختلف بكبر البلد، وقد ينتهي خبره إلى سائر البلاد، فيجب عليهم، وللقائم به مزية على القائم بالعين لإسقاط الحرج عن المسلمين بخلافه).54

وقال صديق حسن خان معرفاً فرض الكفاية: (والعلوم التي هي فرض كفاية على المشهور كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمر الدنيا وقانون الشرع، كفهم الكتاب والسنة وحفظهما من التحريفات، ومعرفة الاعتقاد بإقامة البرهان عليه، وإزالة الشبهة، ومعرفة الأوقات والفرائض، والأحكام الفرعية، وحفظ الأبدان55، والأخلاق، والسياسة، وكل ما يتوصل به إلى شيء من هذه كعلم اللغة، والتصريف، والنحو، والمعاني، والبيان).56

متى يكون التهاون في فرض الكفاية أخطر من التهاون في فرض العين؟

في بعض الأحيان قد يكون التهاون في فرض الكفاية والتفريط في تركه والتواطؤ على ذلك أخطر وأضر على الأمة بأسرها من الفرض العين، ويظهر ذلك جلياً في تواطؤ المسلمين في هذا العصر على ترك الجهاد وترك الأمر والنهي، والتقاعس عن التقدم الصناعي والعسكري، الذي أضحى سبباً لذل الأمة واستكانتها وخضوعها للكفار، وتداعيهم عليها، لتعدي الضرر على الأمة كلها.

بل لقد ادعى بعض أهل العلم فضل بعض فروض الكفاية على فروض العين وإن لم يكن هناك تواطؤ وتقاعس عنها، منهم إمام الحرمين ووالده، والأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني وغيرهم.57

قال إمام الحرمين عبد الملك بن الجويني عن منزلة فروض الكفايات: (ثم الذي أراه أن القيام بما هو من فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات، وأعلى في فنون القربات من فرائض الأعيان، فإن ما تعين على المتعبد المكلف لو تركه ولم يقابل أمر الشارع فيه بارتسام، اختص المأثم به، ولو أقامه فهو المثاب، ولو فرض تعطيل فرض من فروض الكفايات، لعم المأثم على الكافة على اختلاف الرتب والدرجات، فالقائم به كافٍ لنفسه، وكافة المخاطبين الحرجَ والعقابَ، وآمل أفضل الثواب، ولا يهون قدر من يحل محلَّ المسلمين أجمعين في القيام لمهمٍ من مهمات الدين).58

ويظهر ذلك جلياً أيضاً فيما نحن بصدده، فإذا عزف المسلمون عن تعلم الطب والتبحر فيه، واتكلوا على الكفار والمشركين في ذلك، اضطر كثير من المسلمين للذهـاب إليهم، والكفار لا يؤمن مكرهم، ولا يجوز تمكينهم من النظر لعـورات المسلمين نساءً ورجالاً إلا في حالات الضرورة.

قال ابن الحاج المالكي محذراً من الركون إلى الأطباء الكفار والاطمئنان إليهم: (وأشد مما تقدم في القبح وأشنع ما ارتكبه بعض الناس في هذا الزمان من معالجة الطبيب والكحال الكافرين اللذين لا يرجى منهما نصح ولا خير بل يقطع بغشهما وأذيتهما لمن ظفروا به من المسلمين، سيما إن كان المريض كبيراً في دينه أوعلمه، أوهما معاً، فإن القاعدة عندهم في دينهم أن من نصح منهم مسلماً فقد خرج عن دينه، وأن من استحل السبت فهو مهدر الدم عندهم حلال لهم سفك دمه).59

مما يدلك على صحة ما ذهب إليه ابن الحاج ما حُكِي عن الإمام المازري رحمه الله، حيث مرض مرضاً فلم يجدوا أحداً يداويه إلا يهودي كانت بينه وبينه مناظرات ومجادلات في الدين، فقال اليهودي: لولا شرف المهنة لقتلته؛ فحفزت هذه الكلمة الإمام المازري وشجعته على تعلم الطب، فكان يفتي فيه كما يفتي في الفقه، فينبغي على طائفة من المسلمين الأطباء أن يتخصصوا في كل مجالات الطب، حتى لا يحوجوا المسلمين للذهاب إلى الأطباء الكفار.

ومما يؤسف له أن بعض الأطباء الكفار معاملتهم أفضل بكثير من معاملة نفر من الأطباء المسلمين، مما يحدث فتنة للبعض تجعلهم بسبب ذلك يفضلون التداوي عند الطبيب الكافر مع وجود غيره من المسلمين، فلينتبه الأطباء المسلمون لذلك، وليحذروا أن يكونوا فتنة لإخوانهم المسلمين.

الأدلة على أن تعلم الطب بفروعه المختلفة والتخصص في ذلك من فروض الكفاية

الأدلة على أن تعلم طائفة من المسلمين في أي بلد من بلادهم للطب، والتخصص في ذلك حسب حاجة أهل ذلك البلد، مع الحرص والالتزام بأحكام الشريعة وقواعدها، وعدم الإخلال بذلك، كثيرة منها:

أولاً: حاجة المسلمين لذلك، فقد مر أن اثنين من الضرورات الخمس – وهما النفس والعقل – التي جاءت جميع الشرائع للمحافظة عليها، في حاجة ماسة إلى تعلم الطب ودراسته والتخصص فيه، فما لا يتم الواجب إلا به وما لا تتم الحاجة الماسة إلا به فهو من فروض الكفاية.

ثانياً: أمره صلى الله عليه وسلم لبعض أهل البادية بالتداوي، فعن أسامة بن شريك رضي الله عنهما قال: "كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله؟ أنتداوى؟ فقال: نعم، يا عباد الله، تداووا، فإن الله عز وجل لم يضع داءً إلا وضع له شفاء، غير داء واحد. قالوا: ما هو؟ قال: الهرم"60.

وأهل البادية قلة قليلة بالنسبة لأهل الحضر، وكذلك إصابتهم بالأمراض نادرة، فإذا أمروا بذلك فمن باب أولى أهل المدن والحواضر، فهم قوام الأمة، وابتلاهم الله بكثير من الأمراض الحادثة، فحاجتهم إلى التداوي لا تداني حاجة أهل البادية.

ثالثاً: أوجبت طائفة من أهل العلم التداوي أخذاً بالأحاديث التي أمرت بذلك، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

رابعاً: تعاطيه صلى الله عليه وسلم للدواء، وإحضار العديد من الأطباء له ولغيره من الصحابة دليل على أن تعلم الطب من فروض الكفايات.

خامساً: أمره لسعد بن أبي وقاص أن يأتي الحارث بن كلدة، وكان كافراً، دليل على حاجة المسلمين للأطباء وللتداوي ولو عند كافر، يوجب تعلم طائفة منهم لهذا العلم حتى يرفعوا عن الأمة الحرج.

سادساً: تعلم عدد من سلف هذه الأمة للطب، سيما الأئمة، دليل على حاجة المسلمين إليه، وهو دليل ضمني على اعتباره عندهم أنه من فروض الكفاية، منهم على سبيل المثال لا الحصر:

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

الإمام الشافعي رحمه الله.

طبيب أهل السنة وهو عبد الرحمن أبو الفضل رحمه الله.

ابن تيمية رحمه الله.

ابن القيم رحمه الله.

الإمام الذهبي رحمه الله.

الإمام المازري رحمه الله.

ابن اللباد رحمه الله.

وغيرهم كثير.

سابعاً: إذا كان تعلم الحياكة والسباكة ونحوهما من فروض الكفاية، فمن باب أولى الطب.

أقوال أهل العلم المقتدى بهم في أن تعلم الطب من فروض الكفاية

1. الإمام الشافعي رحمه الله

قال الربيع: قال الشافعي: (العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان).61

وقال كذلك: (لا أعلم علماً بعد الحلال والحرام أنبل من الطب).62

روي عن بعض الأطباء في زمن الشافعي أنه قال: (ورد الشافعي مصر فذاكرني بالطب حتى ظننت أنه لا يحسن غيره).63

وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: (شيئان أغفلهما الناس: العربية والطب).64

وقال عنه الإمام موفق الدين البغدادي: (كان – أي الشافعي- مع عظمته في علم الشريعة، وبراعته في العربية، بصيراً بالطب).65

2. الإمام النووي رحمه الله

قال: (وأما العلوم العقلية فمنها ما هو فرض كفاية كالطب والحساب المحتاج إليهما).66

3. الإمام الغزالي رحمه الله

قال الغزالي: (فالعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى ما هو محمود، وإلى ما هو مذموم، وإلى ما هو مباح، فالمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا، كالطب والحساب، وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية، وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة، أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب، فإنه ضروري في المعاملات، وقسمة الوصايا، والمواريث، وغيرها، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى، وسقط الفرض عن الآخرين.

فلا يتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضاً من فروض الكفايات كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة، فإنه لو خلا البلد من الحجام67تسارع الهلاك إليهم، وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، وأرشد إلى استعماله، وأعد الأسباب لتعاطيه، فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله).68

4. ابن الجوزي رحمه الله

5. أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي المتوفى 742هـ

قال ابن قدامة في اختصاره لمنهاج القاصدين لابن الجوزي: (وأما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب).69

6. الوزير ابن هبيرةرحمه الله 70

قال ابن مفلح: (وذكر ابن هبيرة أن علم الحساب والطب والفلاحة فرض على الكفاية).71

7. الإمام السيوطي رحمه الله

قال وهو يعدد في أنواع فروض الكفاية: (والطب، والحساب المحتاج إليه في المعاملات، والإرث، والوصايا، ونحوها).72

8. صديق حسن خان رحمه الله المتوفى 1307هـ

قال وهو يعدد في فروض الكفاية: (والعلوم التي هي فروض كفاية على المشهور كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمر الدنيا وقانون الشرع، كفهم الكتاب والسنة وحفظهما من التحريفات.. وحفظ الأبدان والأخلاق والسياسة).73

9. الشيخ أبوبكر الجزائري

وقال الشيخ أبو بكر الجزائري: (العلوم الكونية، والتي تعرف أيضاً بالعلوم الطبيعية، وهي أنواع شتى منها: علم الكيمياء، وعلم النبات، وعلم الأحياء، والطب والصناعة.

ثم قال: فتعلم العلوم الكونية قد يكون واجباً كفائياً، بحيث إذا وجد في الأمة الإسلامية من يحسنه ويعلمه سقط الواجب عن باقي أفراد الأمة فلا يطالب به أحد، ولا يؤاخذ على تركه آخر، شأنه شأن سائر الواجبات الكفائية، وقد يكون واجباً عينياً في حال انعدام من يحسنه).84

10. الشيخ الدكتور محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله

قال بعد أن ذكر عدداً من أقوال الأئمة المقتدى بهم من أن تعلم الطب من فروض الكفاية: (وهذا الحكم الذي نص عليه فقهاء الإسلام – رحمهم الله – أي فرضية تعلم الطب وتعليمه على الكفاية – عام شامل للجراحة لاندراجها في الطب، وهي فرع من فروعه، والحاجة الموجودة إلى الطب التي بني عليها هذا الحكم موجودة في الجراحة أيضاً.

إلى أن قال: فتبين من هذا كله فرضية تعلم الطب والجراحة على وجه الكفاية، وأن الشريعة الإسلامية لا تمانع من ذلك، ولا عجب في هذا الحكم من الشريعة، وهذه العناية من فقهائها المتمثلة في ندبهم المسلمين إلى تعلم الطب وتعليمه وتطبيقه، فهو العلم الذي جعل الله فيه وفي تطبيقه المصالح والمنافع الجليلة).74

هل هذا الحكم يشمل التخصص الدقيق لأقسام الطب وفروعه أم هو قاصر على الدراسة العامة له؟

قولان لأهل العلم:

1. هذا الحكم قاصر على دراسة الطب العامة.

2. هذا الحكم يشمل دراسة الطب العامة والدقيقة، لأن حاجة طائفة من المسلمين للتخصصات الدقيقة لا تقل عن حاجتهم للتخصص العام، فالتخصص في مجالات الطب المختلفة، والتعمق في الأبحاث العلمية التي تعين على ذلك، لا تقل أهميتها في هذا العصر الذي كثرت فيه الأمراض وتعددت وتعقدت عن دراسة المقدمات والقواعد العامة لهذا العلم، وهذا هو الراجح، والله أعلم.

قال الإمام الغزالي وهو من القائلين بأن التخصصات الدقيقة لا تدخل في فرض الكفاية: (وأما ما يعد فضيلة لا فريضة فالتعمق في دقائق الحساب، وحقائق الطب، وغير ذلك مما يستغنى عنه، ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه)75، قلت: قوله: "مما يستغنى عنه"، فالتخصصات الدقيقة أصبح لا غنى عنها اليوم، وكذلك قوله: "ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه"، ففيه إلماحة بالحاجة إليه، ومن ثم يدخل في فرض الكفاية، والله أعلم.

وقال الدكتور محمد بن محمد المختار الشنقيطي، وهو ممن يرى عدم الاقتصار على تعلم الطب العام: (فإذا كانت هذه الحاجة موجودة في البلدان الإسلامية، فإنه يتعين على ولاة أمورها تجنيد الأكفاء الأخيار من المسلمين لتعلم الطب وتعليمه وتطبيقه، ولا ينبغي لهم البقاء على هذه الحالة التي اتكلوا فيها على أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم، لما في ذلك من الأضرار الدينية والدنيوية الكثيرة التي لا تخفى).76

فروض الكفاية تتأكد فرضيتها وتزداد أهميتها حسب حاجة المسلمين إليها

فروض الكفاية ليست بمستوى واحد، فتخصص طائفة من المسلمين في العلوم الشرعية والعربية، لقوله تعالى: "وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ"77، وكذلك جهاد الكفار الصائلين، وحماية الحدود والثغور، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في مقدمات فروض الكفاية، ثم يتدرج الأمر فيها حسب حاجة المسلمين إليها.

ولا ينبغي أن يخلو البلد أوالمدينة من أطباء يقومون بالواجب، أما إذا كثر عدد الأطباء وزاد عددهم على حاجة البلد، بينما كانت حاجة المسلمين للتخصصات الشرعية ماسة، تعين على طائفة من الطلاب الأخيار المبرزين تعلم العلوم الشرعية، سواء كان ذلك في الحلقات والدروس والدورات في المساجد أوغيرها، وهي الأفيد والأسرع في سد النقص، أوكان ذلك بالالتحاق بكليات الشريعة والعلوم الإسلامية والعربية المحتاج إليها، وإلا يكون المتقدمون لدراسة الطب والهندسة مع هذا القصور الواضح الفاضح آثمون.

وينبغي لولاة الأمر أن يراعوا هذا التوازن في حاجات مجتمعاتهم وبلادهم، ولا ينبغي لولاة الأمر من الوالدين ونحوهم أن يمنعوا أولادهم من ذلك، وإلا كانوا من المعاونين على الإثم والعدوان.

قال العلامة صديق حسن خان: (ثم إنه تختلف فروض الكفاية في التأكد وعدمه بحسب خلو الأعصار والأمصار من العلماء، فرب مصر78لا يوجد فيه من يقسم الفريضة إلا واحد أواثنين، ويوجد فيه عشرون فقيهاً، فيكون تعلم الحساب فيه آكد من أصول الفقه).79

وقال الغزالي لائماً فقهاء عصره بالتوسع في بعض فروع الفقه وإهمالهم لبعض أعمال القلوب التي تكون من فروض العين، وكذلك خلو بعض البلاد من الأطباء إلا من أهل الذمة: (ولو سئل فقيه عن معنى من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلاً، أوعن التوكل، أوعن وجه الاحتراز من الرياء، لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة، ولو سألته عن اللعان، والظهار، والسبق، والرمي، لسرد عليك مجلدات من التعريفات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم تخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤونة التعب فيها، فلا يزال يتعب فيها ليلاً ونهاراً، وفي حفظه ودرسه يغفل عما هو مهم في نفسه في الدين، وإذا روجع فيه قال: اشتغلت به لأنه علم الدين وفرض الكفاية، ويُلبِّس على نفسه وعلى غيره في تعلمه، والفطن يعلم أنه لو كان من فرضه أداء حق الأمر في فرض الكفاية لقدم عليه فرض العين، بل قدم عليه كثير من فروض الكفايات، فكم من بلدة ليس فيها طبيب إلا من أهل الذمة، ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالأطباء من أحكام الفقه، ثم لا نرى أحداً يشتغل به، ويتهارون على علم الفقه لا سيما الخلافيات والجدليات، والبلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوى والجواب عن الواقع، فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين بالاشتغال في فرض كفاية قد قام به جماعة وإهمال ما لا قائم به؟ هل لهذا سبب إلا أن الطب ليس يتيسر الوصول به إلى الأوقاف، والوصايا، وحيازة مال الأيتام، وتقلد القضاء والحكومة، والتقدم به على الأقران، والتسلط به على الأعداء؟ هيهات هيهات، قد اندرس علم الدين بتلبس علماء السوء، فالله تعالى المستعان، وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن ويضحك الشيطان).80

قلت: رحم الله الغزالي، فقد انعكست الآية، وانقلبت الأمور، فأصبح جل الطلاب وأهلوهم حريصين على تعلم الطب، والهندسة، والصيدلة، والحاسوب، ونحوها، زاهدين كل الزهد في طلب العلم الشرعي، وذلك لأن خطة التعليم الجامعي وغيره التي وضعها الكفار عند استيلائهم على ديار الإسلام تقوم على ترغيب الناس في هذه العلوم البحتة، لما توفره لحامليها من الوظائف العالية، والمرتبات الكافية، بينما يحجر على خريجي المعاهد والجامعات الإسلامية الأهلية من تسنم جل الوظائف، ولا يسمح لهم إلا بالإمامة، وفي أحسن الأحوال القضاء في دائرة الأحوال الشخصية.

وبهذا تغيرت الأحوال وتبدلت، فعزف الناس عن دراسة وتعلم العلوم الشرعية والعربية، ورغبوا في دراسة غيرها، ومن ثم قل العلماء الشرعيون، وتكدست أسواق العمل بالأطباء، والمهندسين، وغيرهم.

الخلاصة

أن تعلم الطب ودراسته والاشتغال به والتخصص في أقسامه المختلفة من فروض الكفاية، إذا توفرت فيه هذه الشروط، وهي:

1. تعلم الدارس لما أوجبه الله عليه نحو ربه، ودينه، ورسوله، وإخوانه المسلمين.

2. إذا أمن من الاختلاط سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه كليات الطب، وازداد عدد الملتحقين بها، فيمكن أن تخصص كليات للأولاد وأخرى للبنات، وحتى في الكلية الواحدة، ما المانع أن يقسم المقبولون إلى مجموعتين، إحداهما للأولاد والثانية للبنات، إذ الاختلاط بين الرجال والنساء من أحرم الحرام، سيما في هذا العصر، ورضي الله عن عائشة، عندما قالت: "لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدثه النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل".

3. إذا كان عدد الأطباء غير كافٍ لحاجة جميع المسلمين.

4. إن لم يكن هناك نقص واضح فاضح في العلماء وطلاب العلم الشرعي، لأن حاجة المسلمين للعلم الشرعي لا تدانيها حاجة، بل حاجتهم له أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب، لأنهم يحتاجون إلى الطعام والشراب في أحيان معينة، أما العلم الشرعي فحاجتهم إليه في كل وقت وحين.

5. إن لم تكن هناك وسائل وطرق محرمة ومخالفة للشرع ممارسة في تعلم الطب، كالتدريب والمعالجة بالحرام، ونحو ذلك.

6. إذا لم يُلزَم بعد التخرج أن يعالج الرجل المرأة والمرأة الرجل من غير ضرورة داعية لذلك، إلا عدم الاكتراث بالأوامر الشرعية، ومجاراة الكفار والتشبه بهم، حيث لم يوجد مانع واحد يحول دون ذلك، خاصة في المدن والمستشفيات الكبيرة، حيث العديد من الأطباء رجالاً ونساءً.

7. إذا أمن الاختلاط في مجال التمريض.

كل هذه المخالفات الشرعية وغيرها مقدور على التخلص منها الآن في كل بلاد المسلمين، إذا وجدت القناعة بذلك، وسلمت المتابعة والانقياد لله ولرسوله، وتحرر ولاة الأمر والمسؤولون من ذل التبعية للكفار والشتبه بهم، وعملوا بقول عمر رضي الله عنه: من طلب العزة في غير الإسلام أذله الله، وبقول مالك: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

مع وجود هذه المخالفات وغيرها، هل يكون تعلم الطب وممارسته من فروض الكفاية كذلك؟!

ينبغي للمعنيين بأمر الدين في هذه الحال أن يسعوا سعياً حثيثاً إلى إنشاء كليات طب ومستوصفات خاصة، حتى يتخلصوا من هذا الحرج وينفكوا من هذا الإثم، ولكن قبل ذلك، هل ضرورة تعلم الطب وحاجة المسلم الملتزم بدينه إليه توجب على البعض الدخول في هذا الزخم، والخوض في هذه المهالك، مع الأخذ بالتحفظات والاحتياطات، عملاً بالقاعدة الأصولية الهامة، الضرورات تبيح المحظورات؟!

هذا ما يحتاج إلى نظر وتدبر، لهذا ذهب أهل العلم المعاصرون في هذه المسألة إلى قولين:

قول بالجواز للحاجة.

وقول بالمنع، لأن درء المفاسد والمضار مقدم على جلب المنافع.

ولكل فريق حججه ومبرراته.

سئل الشيخ عبد الله بن جبرين: ما حكم الاختلاط في الجامعة، وخاصة ليس هناك وسيلة لتجنب الاختلاط، إما دراسة مختلطة، أوعدم متابعة الدراسة؟

فأجاب: (لا يجوز شرعاً الاختلاط في الدراسة بين الرجال والنساء، سواء في الجامعات أوفي المدارس الابتدائية أوالثانوية، ولكن إذا لم يجد طالب العلم وسيلة للدراسة إلا في هذه الجامعات المختلطة، فله أن يدرس فيها ويغض بصره، ويبتعد عن مماسة النساء أوالنظر إليهن بما يثير الفتنة، وهكذا على الطالبات الحرص على الانفصال والابتعاد عن المدارس التي فيها الاختلاط، أوالحرص على الانحياز أوالتميز وعدم مماسة الشباب أومقاربتهم).81

وسئل كذلك: أنا طالب جامعي جزائري في الإعلام الآلي سنة ثانية، أريد أن أستفسر عن قضية الاختلاط مع الإناث المنتشرة في جامعاتنا وفي جميع المرافق الحياتية والضرورية في بلادنا، فهل يجوز لي إكمال دراستي للإعلام الآلي بالجامعة في هذا الجو من الاختلاط والسفور والتبرج.. إلخ؟

إلى أن قال: فقد بادرتني فكرة التوقف عن الدراسة حين سمعت شريطاً للشيخ الألباني رحمه الله "جلسة مع الجزائريين" يقول فيه ما مختصره أنه لا يجوز الدراسة في الاختلاط، فهل هذا كلام عام؟ وهل حالتي حالة خاصة؟ مع العلم أن عائلتي لا توافق الفكرة، وأن والدي هددني بمقاطعتي وطردي من البيت.

فأجاب: (يجوز لك الاستمرار في هذه الدراسة إذا كنت آمناً على نفسك من الوقوع في الحرام، ومن الفتن بما تراه وتمسه من هذه الحالة المشينة، فأرى لك الاستمرار حتى إكمال الدراسة والانتهاء من هذه المرحلة، رجاء أن تكون صالحاً مصلحاً في مجتمعك).82

وسئل كذلك: ما حكم الدراسة في الجامعة التي كثر فيها التبرج والفسق؟

فأجاب: (لا تجوز الدراسة للرجال في المدارس التي يحصل فيها اختلاط الرجال والنساء، وتكون الطالبات متبرجات متجملات بحيث يتقابل الشباب بالشابات، ويحتك بعضهم ببعض، ويجلس الفتى إلى جانب الفتاة في الفصول، فإن ذلك وسيلة للفتنة، ووقوع الفواحش والمنكرات، ولا يقال ذلك أنه قد أصبح معتاداً غير مستنكر، فإن غرائز الشهوة ثابتة تنبعث مع وجود الأسباب، فإن لم يجد غيرها حرص على دراسة المنزل أوالابتعاث إلى الجامعات الإسلامية ليأمن على نفسه).83

قلت: بعض الشر أهون من بعض، فينبغي للطلاب الملتزمين الانتساب إلى الجامعات غير المختلطة إن وجدت،وأن يحذر كل جنس من الاجتماع بالجنس الآخر، والاحتكاك معه خارج القاعات، وعلى المسؤولين فيها الحرص ألا يختلط الأولاد بالبنات، لا في المعامل ولا في غيرها بحجة ضعف الإمكانيات أوقلة الأساتذة، فهذه كلها حجج واهية.

ومن انتسب إلى الجامعات المختلطة فعليه أن يختار أقلها تفسخاً وتبرجاً وسفوراً.

ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول رب العالمين، ولا عدوان إلا على الكافرين والمعاندين
وهذا رابط المقال :
http://www.islamadvice.com/ilm/ilm15.htm
أخوكم المحب / المشفق

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
New Page 2
 
 

قديم 11-05-2008, 07:01 PM   #3
معلومات العضو
د.عبدالله
اشراقة ادارة متجددة

افتراضي

بارك الله فيك يا أخي الحبيب المشفق وجزاك الله خير وزادك الله من فضله ومنه وكرمه .

    رد مع اقتباس مشاركة محذوفة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 


بحث عن:


الساعة الآن 04:29 PM



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.